عبد الرحمن السهيلي
215
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
شرح ما وقع في غزوة أحد من الأشعار وقد شرطنا الإضراب عن شرح شعر الكفرة والمفاخرين بقتال النبي صلى الله عليه وسلم إلا من آمن منهم ، لكنه ذكر في شعر هبيرة الذي بدأ به بيتين ليسا من شعره ، فلذلك ذكرتهما ، وهما : وليلةٍ يصطلي بالفرث جازرها * يختصّ بالنّفري المثرين داعيها في ليلةٍ من جمادى ذات أنديةٍ * جربا جماديّةٍ قد بتّ أسريها قوله : يصطلي بالفرث ، أي : يستدفئ به من شدة البرد . حول جمع ندى وأسماء الشهور وقوله : يختص بالنفري المثرين ، يريد يختص الأغنياء طلباً لمكافأتهم ، وليأكل عندهم ، يصف شدة الزمان ، قاله يعقوب في الألفاظ ، ونسبهما للهذلي ، وكذلك قال ابن هشام في هذين البيتين أنهما ليسا لهبيرة ونسبهما لجنوب أخت عمرو ذي الكلب الهذلي . وقوله : ذات أندية : جمع ندى على غير قياس ، وقد قيل : إنه جمع الجمع كأنه جمع ندى على نداء مثل جمل وجمال ، ثم جمع الجمع على أفعلة ، وهذا بعيد في القياس ، لأن الجمع الكثير لا يجمع ، وفعال من أبنية الجمع الكثير ، وقد قيل : هو جمع ندي والندي المجلس ، وهذا لا يشبه معنى البيت ، ولكنه جمع جاء على مثال أفعلة ، لأنه في معنى الأهوية والأشتية ونحو ذلك ، وأقرب من ذلك أنه في معنى الرذاذ والرشاش ، وهما يجمعان على أفعلة ، وأراد بجمادى الشهر ، وكان هذا الاسم قد وقع على هذا الشهر في زمن جمود الماء ، ثم انتقل بالأهلة وبقي الاسم عليه ، وإن كان في الصيف والقيظ ، وكذلك أكثر هذه الشهور العربية سميت بأسماء مأخوذة من أحوال السنة الشمسية ، ثم لزمتها ، وإن خرجت عن تلك الأوقات . شرح شعر كعب وذكر شعر كعب بن مالك يجيب هبيرة وأوله : ألا هل أتى غسان . وقد افتتح قصيدة أخرى في أشعار بدر بهذا اللفظ ، فقال : * ألا هل أتى غسّان في نأي دارها * وإنما يذكر غسان لأنهم بنو عم الأنصار ، والأنصار بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر . والذين بالشام بنو جفنة بن عمرو بن عامر ، والكل غسان ، لأن غسان ماء شربوا منه حين ارتحالهم من اليمن فسموا به . وقوله : سيرة متنعنع ، أي : مضطرب . وقوله : العراميس : جمع عرمس ، وهي الناقة القوية على السير .